وهؤلاء العرب الأمجاد اعتادوا على ارتياد شرق العالم
وغربه ، حاملين رسالة أمتهم وحضارتهم إلى هذه الأصقاع
- فهم لو شاؤوا الوصول إلى أبعد أبراج السماء ، لما
توانوا عن فعل ذلك . ولعل انفعال الشاعر الشديد
بسوء فعلة المستعمرين بعمر المختار ، هو الذي قاد إلى
هذه المبالغة الظاهرة !
وهؤلاء العرب ، لم تستعص
عليهم أي بقعة في العالم ، وخير مثال على ذلك وصولهم
إلى
أبواب فرنسا ، وإخضاع إسبانيا وما جاورها لقوتهم ،
عندما أسسوا فيها دولة عربية استمر بقاؤها أكثر من
سبعة قرون .
ولم ينس الشاعر أن يُذَكِّرَ
أعداء الأمة العربية ، المستصغرين شأنها ، بحضارة العباسيين
في بغداد
، وحضارة
الأمويين في دمشق
.
ويعود الشاعر إلى امتداح عمر المختار ، بالقيم العربية
الأصيلة . فهو لم يطمع في مواجهة المستعمرين من
أجل نيل الثروة المادية – لكنه آثر الثورة عليهم – مع
بؤس حالته المادية – على الاستكانة لهم ، رغم ثراء
أسرته ، ومكانتها الاجتماعية .
وهذه هي شيم كرام العرب ، الذين يرتضون بالصبر على
المصاعب مع الكرامة والشرف ، ويرفضون الرفاهية مع الذل
والاستكانة .
وفي الأبيات الثلاثة الأخيرة ، يصور شوقي أثر واقعة
استشهاد عمر المختار على افريقيا ، الواقعة بلده
ضِمنها ، فأفريقيا مثوى الأسود ولحدها ، هز نبأ
استشهاد المختار كل سكانها رجالا ونساء !
ولم يكتف الشاعر ، ببيان أثر الفاجعة على أهل إفريقيا
، بل يستحضر أثر فقد المختار ،على المسلمين في كافة
أرجاء وطنهم ، الذين لا يدرون كيف يتعزون بفقده .
وحتى
أهل الجاهلية ـ فقد اهتزوا في قبورهم لهول الكارثة وقد
ذكَرَّهُم موته ، بموت أشهر فرسانهم وأشجع فرسانهم
الفارس زيد الخيل وشاعرهم وفارسهم المعروف عنترة
العبسي !
|